علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
143
ثمرات الأوراق
ثم إنّ مفوّضا صبر حتى انطفأت النّار ، فدخل جحره فأخرج جثّة ظالم فألقاها واستوطن جحره آمنا . فهذا المثل ضربته لك لأنه ملائم لفعل عمرو بن سعيد في بغيه ومخادعته عبد الملك وحيلته في أخذ دار ملكه وتحصينها منه ، وهذا فعل ظالم مع مفوّض . فلمّا سمع عبد الملك حكمة الشّيخ في ضرب أمثاله سرّ بذلك سرورا عظيما ، ثم أقبل عليه ، فقال : جزيت عنّي خيرا ، وإنّي أريد أن تجعل بيني وبينك موعدا ، أو تعرّفني مكانك لألقاك به بعد يومي هذا . فقال له الشيخ : وما تريد بذلك ؟ فقال عبد الملك : إني أريد مكافأتك على ما كان منك ؛ فقال الشيخ : إنّي أعطيت اللّه عهدا ألّا أقبل منّة لبخيل ، فقال له عبد الملك : ومن أين علمت أني بخيل ! فقال : لأنّك أخّرت صلتي مع القدرة [ عليها ] « 1 » ، فما عليك لو وصلتني ببعض ما عليك ! فقال عبد الملك : أقسم باللّه لقد ذهلت ، ثم نزع سيفه ، وقال له : اقبل مني هذا واحرص عليه ، فقيمته عشرون ألف درهم . فقال الشيخ : إنّي لا أقبل صلة ذاهل ، فدعني وربّي الذي لا يذهل ولا يبخل ، فهو حسبي . فلمّا سمع عبد الملك كلام الشيخ عظم في عينه ، وعلم فضله في دينه ، فقال له : أنا عبد الملك ؛ فارفع حوائجك إليّ ، فقال الشيخ : وأنا أيضا عبد الملك ، فهلمّ نرفع حوائجنا إلى من أنا وأنت له عبدان ! فانطلق عبد الملك وعمل برأي الشّيخ فأنجح اللّه قصده ، وانتصر على أعدائه . فلمّا سمع الوليد ما أخبره به الكهل استرجح عقله ، واستظرف أدبه ، واستحسن محاضرته ، وسأله عن نفسه فتسمّى وانتسب ؛ فلم يعرفه الوليد فاستحيا منه ، وقال له : من جهل مثلك في رعيّته ضاع . فقال له الكهل : يا أمير المؤمنين : إنّ الملوك لا تعرف إلا من تعرّف إليها ، ولزم أبوابها ، فقال له الوليد : صدقت ، ثم أمر له بصدقة معجّلة ، وعهد إليه في ملازمته ، فكان يتمتّع بأدبه وحكمته ؛ إلى أن كان من أمر الوليد ما هو مشهور . * * * خبر سابور بن هرمز وقيصر وممّا تخيّرته من عجائب « سلوان المطاع » . قيل : لمّا عزم سابور بن هرمز على الدّخول إلى بلاد الرّوم متنكّرا نهاه نصحاؤه وعقلاء وزرائه ، وحذّروه من ذلك فعصاهم ، وكان يقال : أشقى « 2 » النّاس وزراء الأحداث من الملوك ، وعشّاق الفتيان « 3 »
--> ( 1 ) تكلمة من ب . ( 2 ) ط : « أوزر الناس » . ( 3 ) ب : « الفتيات » .